الشيخ محمد رشيد رضا

352

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الدرجات هي السبع التي ذكرها اللّه تعالى في سورة براءة ( التوبة ) ( 9 : 121 ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ ، وَلا نَصَبٌ ، وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ ، وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا ، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ ، إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) يعني ان هذه الأمور السبعة التي يتعرض لها المجاهدون هي الدرجات لان لكل منها أجرا كما قال تعالى ومجموعها مع المغفرة والرحمة هو الاجر العظيم ، والصواب ان المراد هنا درجات الآخرة لأنها تفسير للاجر كما قال ابن جرير ، وهي مرتبة على ما ذكر وعلى غيره مما يفضل المجاهدون به القاعدين ، وأهمه مصدره من النفس وهو قوة الايمان باللّه وإيثار رضاه على الراحة والنعيم ، وترجيح المصلحة العامة على الشهوات الخاصة . والمغفرة المقرونة بهذه الدرجات هي ان يكون لذنوبهم في نفوسهم عند الحساب أثر من الآثار التي قضى عدل اللّه بأن تكون سبب العقاب لان ذلك الأثر يتلاشى في تلك الأعمال التي استحقوا بها الدرجات كما يتلاشى الوسخ القليل في الماء الكثير . والرحمة ما يخصهم به الرحمن زيادة على ذلك من فضله واحسانه قال البيضاوي : وقيل الأول ما خولهم اللّه في الدنيا من الغنيمة والظفر وجميل الذكر والثاني ما حصل لهم في الآخرة . وقيل الدرجة ارتفاع منزلتهم عند اللّه . والدرجات منازلهم في الجنة . وقيل القاعدون الأول الاضراء ، والقاعدون الثاني هم الذين اذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم . وقيل المجاهدون الأولون من جاهد الكفار ، والآخرون من جاهد نفسه ، وعليه قول علي عليه السّلام : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر اه وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً وكان شأن اللّه وصفته أنه غفور لمن يستحق المغفرة ، رحيم بمن يتعرض لنفحات الرحمة ، فهو ما فضلهم بذلك الا بما اقتضته صفاته ، وما هو شأنه في نفسه ، فإذا لا بد من ذلك الاجر العظيم بأنواعه ولا مرد له ومن مباحث اللفظ في الآية ان نافعا وابن عامر قرءا « غير أولي الضرر » بنصب « غير » على الحال أو الاستثناء وقرأها الباقون بالرفع وهي حينئذ صفة